يزيد بن محمد الأزدي
146
تاريخ الموصل
وفيها كانت وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث . وتلخيص القصة أن ابن الأشعث لما جاء إلى الكوفة خرجوا لتلقيه ، فلما دخل مال إليه أهل الكوفة كلهم ، وسبقت همدان إليه ، فحفوا به عند دار عمرو بن حريث ، وبايعه الناس ، وتقوضت إليه المسالح والثغور ؛ فأقبل الحجاج من البصرة ، فسار في البر حتى مر بين القادسية والعذيب ، وبعث إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل البصريين ، فمنعوه نزول القادسية ، ثم سايره حتى نزل دير قرة ، ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم ، وجاء ابن الأشعث فنزل دير الجماجم ، وكان الحجاج يقول : ما كان عبد الرحمن يزجر الطير حين رآني ؛ نزلت دير قرة ونزل دير الجماجم ، فاجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم ، والقراء من المصرين ، كلهم اجتمعوا على حرب الحجاج ، وكانوا مبغضين له ، وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم من مواليهم . وجاءت للحجاج أمداد من قبل عبد الملك ، واشتد القتال ؛ فقيل لعبد الملك : إن كان إنما يرضى أهل العراق أن ينزع عنهم الحجاج فانزعه ، تحقن به الدماء ؛ فإن نزعه أيسر من حربهم ؛ فأمر ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم ، وأن يجرى عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشام ، فإن هم قبلوا ذلك نزع عنهم الحجاج وكان محمد بن مروان أمير العراق ، فإن هم لم يقبلوا ذلك ، فالحجاج أمير جماعة أهل الشام وولى القتال ، ومحمد وعبد الله في طاعته ، فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له من ذلك ؛ مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم ؛ فكتب إلى عبد الملك : يا أمير المؤمنين ، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعى ، فإنهم لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك ، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك ، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان بن عفان ؟ ! فلما سألهم : ما تريدون ؟ قالوا : نزع سعيد ابن العاص ، فلما نزعه لم تقم لهم قائمة حتى ساروا إليه فقتلوه ، إن الحديد بالحديد يقرع ، خار الله لك فيما ارتأيت ! فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق ، إرادة العافية من الحرب ، فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبد الله فقال : يا أهل العراق ، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين ، وهو يعطيكم كذا وكذا . . . فذكر الخصال التي تقدم ذكرها ، وقال محمد : أنا رسول أمير المؤمنين إليكم ، وهو يعرض عليكم كذا وكذا ، قالوا : نرجع العشية ، فرجعوا واجتمعوا عند ابن الأشعث ، فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلا أتاه ، فحمد الله